العودة للخلف

أجر الحاج عن غيره و هل للنائب أجر حجة

تاريخ النشر: 10 / 05 / 2026
: 29

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أما بعد :

فيتكرَّر في كل موسم السؤال عن النائب في الحج عن غيره هل له أجر الحج؟

ومصدر هذا السؤال حرص الذين يحجُّون عن غيرهم على الأجر والفضل والثواب، وأيضًا التفقُّه في الدين.

وقد رأيت أن أكتب فيه هذه الكلمة التي أرجو أن ينفع الله بها، سائلًا المولى جل وعلا أن يسدِّدني في القول والعمل وأن يجعل ما أقول وأعمل خالصًا لوجهه الكريم.

ومحصَّل الجواب: أنَّ للنائب الذي يَصحّ حجّه أجر حجّة كما للمحجُوج عنه بإذن الله تعالى.

وقبل بيان الحجج عليه أقدِّم بذكر أمور مهمة يجدر التنبه لها:

أولها:

 اعلم أنه يجوز الحجّ غير الغير والنيابة فيه، وقد أفتى النبي من سأله عن الحج عن أبيه بقوله: «نعم حج عن أبيك» متفق عليه.

وفي سنن أبي داود -وهو في الجامع الصحيح- عن أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال «احجج عن أبيك واعتمر».

وفي سنن أبي داود -وهو في الجامع الصحيح - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ «مَنْ شُبْرُمَةُ؟ » قَالَ أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي قَالَ «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ » قَالَ لَا قَالَ «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ».

 ثانيها:

 الحاجّ عن غير:

- إما متبرِّع محض، كمَن يحجُّ عن قريبه مِن مال نفسِه فهو حاج بماله وبدنه يتحمَّل الأتعاب والسفر وينفق المال من أجل ذلك.

- وإما نائب بدون مال مُشترط لنفسه، وإنما يدفعُ مَن وجب عليه الحج في ماله ما يحتاجه النائب مِن ترتيب الحج ورسومه وتكاليف الحج. والنائب لا يَستفضل مالًا بل يُنفق على نفسه مِن مال نفسه في سفره وحجِّه.

- وإما نائب بالأجرة بحيث يُشترط في النيابة مال مقدَّر معيَّن فاضل يأخذه النائب لنفسه.

والإجارة في الحج وقع فيها خلاف، والأكثر على الجواز بشرطه.

ومن شرطها: أن لا يَقصد نفس المال فيتخذ أعمالَ الدِّين متجرًا يتكسَّب منه المال فإنه لا يصح منه حينئذ.

قال الإمامُ ابن تيمية رحمه الله: «كون الإنسان يحجُّ لأجل أن يستفضل شيئًا من النفقة ليس من أعمال السلف، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: ما أعلم أحدًا كان يحج عن أحد بشيء.

ولو كان هذا العمل صالحا لكانوا إليه مبادرين، والارتزاق بأعمال البر ليس من أعمال الصالحين، أعني إذا كان مقصوده بالعمل اكتساب المال.

ولا يُستحبُّ للرجل أنْ يأخذ مالًا يحجُّ به عن غيره، إلا لأحد رجلين:

- إما رجل يحبُّ الحجَّ ويودّ رؤية المشاعر وهو عاجز، فيأخذ ما يقضي به وطره الصالح، ويؤدي به عن أخيه فريضة الحج.

- أو رجل يحبّ أن تبرأ ذمة الميت عن الحج، إما لصلةٍ كانت بينهما، أو لرحمة عامة بالمؤمنين، أو نحو ذلك، فيأخذ ما يأخذ ليؤدي به ذلك.

وجماع هذا: أنَّ المستحب أن يأخذَ ليحُجّ، لا أن يحُجّ ليأخذ.

هكذا في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح، فمن ارتزق ليتعلَّم أو يُعلِّم أو ليجاهد، فحسن. وأما من اشتغل بصورة العمل الصالح لأَنْ يَرتزق فهذا من أعمال الدنيا، ففرْق بين :

- من يكون الدِّين مقصودَه والدُّنيا وسيلة.

- ومَن تكون الدُّنيا مقصودَه والدِّين وسيلة والأشبه أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق، كما دلت عليه النصوص». مجموع الفتاوى 26/19 .

ثالثها:

اعلم أنَّ الكلام على الأجور على الأعمال الصالحات يكون بحسب ظواهر الأدلة، وأما حقيقة قدرها ومضاعفتها وعظمة ثوابها فهو إلى الله تعالى هو الذي يجازي كل عامل بعمله وما يستحقه وما هو أهله، وهو يضاعف لمن يشاء ما يشاء.

قال تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]

وقال سبحانه: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39].

وقال سبحانه: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37].

وقد أخبر ربنا سبحانه وتعالى أنه يوفي العامل أجره ويزيد من شاء من فضله

قال الله تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 37-38].

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29-30].

وقال سبحانه: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 173].

وقال سبحانه: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 26].

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]

قال المفسرون: أي يزيدهم من الأجر والثواب سوى أجور ثواب أعمالهم. وقال بعضهم: يضاعف لهم الثواب بزيادات لا تخطر لهم على بال. وقال بعضُهم: يرفع درجاتهم في الجنة ويُعطيهم ما لا عين رأت.

ونحو ذلك من المعاني المتقاربة.

رابعها:

أنّ المضاعفة على الأعمال وعِظَم الجزاء والثواب عليها له أسباب متعددة ورد الشرع ببيانها، ومما لا شك فيه أنَّ الأجر والثواب على العمل الواحد يتفاوت -بالنسبة للعاملين له- تبعا لتلك الأسباب، وأهمها:

- صِحَّة النية والقصد من العامل.

- الإخلاص لله تعالى.

- الاحتساب.

- إتمام العمل وإكماله وإحسانه.

- المشقة التي تلحق العامل.

- ما يقوم بالقلب من الخشوع والتعبد والخضوع لله وصدق الرغبة فيما عنده وقوة الرجاء.

- الرغبة في العمل والحبّ له والتعلُّق به والمداومة عليه، والتحسُّر على فواته.

ومن الأدلة على ذلك:

قوله : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وهو في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه. وبنحوه أحاديث.

وقوله : «مَنْ حَجَّ لِله فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وقال : «لك ما احتسبت» وهو في جامع معمر عن أنس بن مالك وهو في الجامع الصحيح.

وقال لمن احتسب الأجر في مشيه على المسجد: «إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ». كما في صحيح مسلم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بَيْتُهُ أَقْصَى بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ الصَّلَاةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ قَالَ: فَتَوَجَّعْنَا لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، لَوْ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا يَقِيكَ مِنَ الرَّمْضَاءِ، وَيَقِيكَ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ قَالَ: أَمَا وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ قَالَ: فَحَمَلْتُ بِهِ حِمْلًا حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ يَرْجُو فِي أَثَرِهِ الْأَجْرَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ».

وقال : «أجرُك على قَدْرِ نَصَبك» رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

قال الإمام ابن تيمية: «الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ يَعْظُمُ قَدْرُهَا وَيَصْغُرُ قَدْرُهَا بِمَا فِي الْقُلُوبِ، وَمَا فِي الْقُلُوبِ يَتَفَاضَلُ، لَا يَعْرِفُ مَقَادِيرَ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا الله تعالى.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أَحَدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ».

وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ حِينَ الْإِنْفَاقِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَقِلَّةِ أَهْلِهِ، وَكَثْرَةِ الصَّوَارِفِ عَنْهُ، وَضَعْفِ الدَّوَاعِي إِلَيْهِ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مِثْلُهُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ. وَهَذَا مِمَّا يَعْرِفُ بَعْضَهُ مَنْ ذَاقَ الْأُمُورَ، وَعَرَفَ الْمِحَنَ وَالِابْتِلَاءَ الَّذِي يَحْصُلُ لِلنَّاسِ، وَمَا يَحْصُلُ لِلْقُلُوبِ مِنَ الْأَحْوَالِ المُخْتَلِفَةِ». منهاج السنة النبوية (6/222) وبعد.

وقال رحمه الله: «ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ فضل القراءة والذكر والدعاء والصلاة وغير ذلك قد يختلف باختلاف حال الرجل فالقراءة بتدبُّر أفضل من القراءة بلا تدبُّر والصلاة بخشوع وحضور قلب أفضل من الصلاة بدون ذلك». مجموع الفتاوى (17/ 139).

وقال رحمه الله: «الْأَعْمَالَ تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ، وَإِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَكُونُ مَقَامُهُمَا فِي الصَّفِّ وَاحِدًا، وَبَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ نَحَّى غُصْنَ شَوْكٍ عَنِ الطَّرِيقِ يُغْفَرُ لَهُ. قَالَ الله تَعَالَى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [سُورَةُ الْحَجِّ: 37] . فَالنَّاسُ يَشْتَرِكُونَ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا، وَاللَّهُ لَا يَنَالُهُ الدَّمُ الْمُهْرَاقُ وَلَا اللَّحْمُ الْمَأْكُولُ، وَالتَّصَدُّقُ بِهِ، لَكِنْ يَنَالُهُ تَقْوَى الْقُلُوبِ». منهاج السنة النبوية (6/ 221 222).

وقال الإمام ابنُ القيم رحمه الله: «الْأَعْمَالَ لَا تَتَفَاضَلُ بِصُوَرِهَا وَعَدَدِهَا، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي الْقُلُوبِ، فَتَكُونُ صُورَةُ الْعَمَلَيْنِ وَاحِدَةً، وَبَيْنَهُمَا فِي التَّفَاضُلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالرَّجُلَانِ يَكُونُ مَقَامُهُمَا فِي الصَّفِّ وَاحِدًا، وَبَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.

وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ الْبِطَاقَةِ الَّتِي تُوضَعُ فِي كِفَّةٍ، وَيُقَابِلُهَا تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ، فَتَثْقُلُ الْبِطَاقَةُ وَتَطِيشُ السِّجِلَّاتُ، فَلَا يُعَذَّبُ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مُوَحِّدٍ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ الْبِطَاقَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَدْخُلُ النَّارَ بِذُنُوبِهِ، وَلَكِنَّ السِّرَّ الَّذِي ثَقَلَ بِطَاقَةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَطَاشَتْ لِأَجْلِهِ السِّجِلَّاتُ لَمَّا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْبِطَاقَاتِ، انْفَرَدَتْ بِطَاقَتُهُ بِالثِّقَلِ وَالرَّزَانَةِ.

وَإِذَا أَرَدْتَ زِيَادَةَ الْإِيضَاحِ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَانْظُرْ إِلَى ذِكْرِ مَنْ قَلْبُهُ مَلْآنٌ بِمَحَبَّتِكَ، وَذِكْرِ مَنْ هُوَ مُعْرِضٌ عَنْكَ غَافِلٌ سَاهٍ، مَشْغُولٌ بِغَيْرِكَ، قَدِ انْجَذَبَتْ دَوَاعِي قَلْبِهِ إِلَى مَحَبَّةِ غَيْرِكَ، وَإِيثَارِهِ عَلَيْكَ، هَلْ يَكُونُ ذِكْرُهُمَا وَاحِدًا؟ أَمْ هَلْ يَكُونُ وَلَدَاكَ اللَّذَانِ هُمَا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، أَوْ عَبْدَاكَ، أَوْ زَوْجَتَاكَ، عِنْدَكَ سَوَاءً؟.

وَتَأَمَّلْ مَا قَامَ بِقَلْبِ قَاتِلِ الْمِائَةِ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ الَّتِي لَمْ تَشْغَلْهُ عِنْدَ السِّيَاقِ عَنِ السَّيْرِ إِلَى الْقَرْيَةِ، وَحَمَلَتْهُ -وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ- عَلَى أَنْ جَعَلَ يَنُوءُ بِصَدْرِهِ، وَيُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، فَهَذَا أَمْرٌ آخَرُ، وَإِيمَانٌ آخَرُ، وَلَا جَرَمَ أَنْ أُلْحِقَ بِالْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، وَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا ... فَهَكَذَا الْأَعْمَالُ وَالْعُمَّالُ عِنْدَ الله». مدارج السالكين (1/340).

أقول: وهذا الموضع مهم يجدرُ التنبُّه له لئلا يقع العبد في بَخْس أو هَضْم، أو الحجر على فَضْلِ واسعْ الفَضْل عَظيم العَطَا الشَّاكر لعباده العليم بهم، وبأحوالهم الخبير بظواهرهم وبواطنهم.

خامسها:

أُبشِّر كلَّ عامل ببشارة عظيمة وهي: أن يأمنَ على حسناته، ولا يخاف عليها.

قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112]

والظلم: الجور ومجاوزة الحد، ونقصان الحق، والميل بالشيء عن موضعه.

والهضم: النقص  والكسر.

وأقوال المفسرين في قوله: ( لا يخاف هضما): تدور: على أنه لا يخاف أن يُنتقص من عمله الصالح.

وأما قوله: (لا يخاف ظلمًا) ففيها أقوال ذكرها البغوي وابن الجوزي وغيرهما:

الأول: لا يخاف أن يُزاد في سيِّئاته نفسِه.

الثاني: لا يخاف أن يزاد عليه من ذنوب وسيئات غيره.

الثالث: لا يخاف أن يؤاخَذ بما لم يعمل.

والرابع: لا يخاف ألا يُجزى بعمله.

قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان عند الآية: «ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ مَنْ يَعْمَلُ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِرَبِّهِ فَإِنَّهُ لَا يَخَافُ ظُلْمًا، وَلَا هَضْمًا. وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}، وَقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [60 \ 44] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.

وَفَرَّقَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بَيْنَ الظُّلْمِ، وَالْهَضْمِ بِأَنَّ الظُّلْمَ الْمَنْعُ مِنَ الْحَقِّ كُلِّهِ. وَالْهَضْمَ: النَّقْصُ وَالْمَنْعُ مِنْ بَعْضِ الْحَقِّ. انتهى المراد.

أقول: فعلى العامل أن يجتهد في صلاح العمل، وتصحيح القصد، وتعظيم الرغبة فيما عند الله تعالى، ويكل الثواب على الشاكر الكريم. ولا يحبطه قول قائل، ولا يمنعه عَذْل عاذل.

آخرها:

الثواب: اسم لكل ما يُجزى به العبد على عمله. والأجر يقال على الثواب على الطاعة.

أما الحُجج على كون النائب الذي تصح حجته له أجر حجة بإذن الله

فأولها: عموم الأدلة كقوله تعالى: {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧ لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ} فإنه ممن أتى للحج فتدركه منافعه بإذن الله تعالى، وهكذا قوله : «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا: يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ، وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»، وقوله: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، وقوله : «الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ»، كما أنه يشمله قوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]، وقوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] وغيرها من الأدلة.

أما زَعْم شُمول بعضها له دون بعض، ودخوله تحت بعضها دون بعض فهو تحكُّم.

ثانيها:

أنه قد ورد في الشرع ما يدل على ذلك بدلالة المفهوم الأولوي.

وذلك في مواضع كثيرة:

منها:

ما أخرجه مسلم 2732 عن أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :  «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ».

فالدعاء وقع للغير بحيث ينتفع بالدعاء، ولم يمنع مِن أنْ يكون له بالمثل.

ومنها:

ما أخرجه مسلم 1893 عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: احْمِلْنِي، فَقَالَ: «مَا عِنْدِي»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»

قال القرطبي في المفهم (3/ 727): «ظاهر هذا اللفظ: أن للدَّال من الأجر ما يساوي أجر الفاعل المنفق. وقد ورد مثل هذا في الشرع كثيرًا ... وهذا المعنى يمكنُ أن يقال ويُصار إليه بدليل: أنَّ الثوابَ على الأعمال إنما هو تفضل من الله تعالى، فيهبه لمن يشاء على أي شيءٍ صدر عنه». انتهى بتصرف.

ومنها:

ما في صحيح مسلم 1017 عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِمِ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».

وقد قال بظاهره أهل العلم، بل قال القاضي عياض: له مثل أجره وإن لم يكن له عمل!.

قلت: فكيف بمن له عمل!.

أرأيت إلى عالم دعا رجلا قادرًا بنفسه وماله متكاسلًا عن الحج ورغَّبه في الحج وكرَّر عليه النصح وجوَّد له الدعوة ورفَق به حتى لانَ وهُدِي إلى الحج فحجَّ، ألا يدخُل تحت هذه الأدلة.

فمَن رحَل الأيام والليالي وقطع القفار والأودية والصحاري ووقف المواقف وأدى المناسك ألا يكون أولى بذلك.

ومنها:

ما أخرجه ابن حبان 3420 /التعليقات عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «مَنْ فطَّر صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلَ أَجْرِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ شيء».

ومنها:

ما أخرجه ابن حبان 4609 / التعليقات عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ جهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِجِهَادِهِ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ». وهو في الصحيحة 2690

وهو في صحيح مسلم 1895 بلفظ : «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، فَقَدْ غَزَا».

ولست أشك أنَّ النائب عن غيره -بشرطه- أولى بالمثلية ممَّن فطر صائما بلقيمات، أو جهز غازيًا.

ومنها:

ما في صحيح مسلم 1024 عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا».

وفي لفظ له: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ، بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا».

ومنها:

أنه ثبت أنَّ المسلم والمسلمة يحصلان على أجر حجّة بدون أن يفعل أعمال الحج، كمن صلى الفجر وبقي في مصلَّاه يذكرُ الله تعالى إلى بعد طلوع الشمس  ثم يصلي ما كتب له، كما ثبت به الحديث، فلأَنْ يُكتب له أجر الحج أو العمرة وقد قام بأعمالهما أولى .

* وقد ذهب على ذلك جلة من أئمة الفتوى في زمن التابعين:

منهم سعيد بن المسيب سيد التابعين فقها وعلما.

قال ابن أبي شيبة 13863 ، 16207: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوَاسِعٌ لَهُمَا جَمِيعًا».

وكيع: هو ابن الجراح. وسفيان هو ابن سعيد الثوري. وداود: هو ابن  أبي هند. وهذا سند صحيح رجاله ثقات وأرفع.

والأثر ذكره ابن حزم في المحلى (م 815) فقال: «وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، لِأَيِّهِمَا الْأَجْرُ أَلِلْحَاجِّ أَمْ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاسِعٌ لَهُمَا جَمِيعًا».

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ -ابن حزم-: صَدَقَ سَعِيدٌ رحمه الله».

وأنا أقول: صدَقَا والله.

ومنهم: الحسن البصري ويلقب أيضًا بسيّد التابعين.

قال ابن أبي شيبة 16208 : أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي الرَّجُلِ يَحُجُّ عَنِ الرَّجُلِ، قَالَ: «يُرْجَى لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ».

هشام هو ابن حسان. ورجاله ثقات معروفون، وفي رواية هشام عن الحسن بعض مقال لأنه يرسل عنه.

لكن روايته عنه في الصحيحين، له في مسلم 1648 عن الحسن بالعنعنة حديث عبدالرحمن بن سمرة: «لا تحلفوا بالطواغي». وعنه بالعنعنة أيضًا حديث أم سلمة «فمن كره فقد برئ» (مسلم 1854)، وغيرها، وله في البخاري 7151 عن الحسن بالعنعنة حديث معقل: «مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُم»، وله غير هذا الموضع أيضًا.

* وفي مسائل أبي داود (893) قال أبو داود: سمعت أحْمَد، قال له رجل: أريد أن أحجّ عن أمي، أترجو أن يكون لي أجر حجةٍ أيضًا؟ قال: نعم، تقضي عنها دينًا عليها. الجامع لعلوم الإمام أحمد (7/ 519).

وبهذا أفتى الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ. مجموع فاواه 5/501

وفي هذا القدر إن شاء الله كفاية، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين الهداية، والله تعالى أعلى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

كتبه

أبو محمد عبدالله بن أحمد بن لمح الخولانـي 21 من ذي القعدة 1447

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح